محمد بن جرير الطبري

146

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فإن قال قائل : وكيف قيل بالبينات والزبر ؟ وما الجالب لهذه الباء في قوله بالبينات فإن قلت : جالبها قوله أرسلنا وهي من صلته ، فهل يجوز أن تكون صلة ما قبل إلا بعدها ؟ وإن قلت : جالبها غير ذلك ، فما هو ؟ وأين الفعل الذي جلبها ؟ قيل : قد اختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعضهم : الباء التي في قوله : بالبينات من صلة أرسلنا ، وقال : إلا في هذا الموضع ، ومع الجحد والاستفهام في كل موضع بمعنى غير . وقال : معنى الكلام : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال نوحي إليهم ، ويقول على ذلك : ما ضرب إلا أخوك زيدا ، وهل كلم إلا أخوك عمرا ، بمعنى : ما ضرب زيدا غير أخيك ، وهل كلم عمرا إلا أخوك ؟ ويحتج في ذلك بقول أوس بن حجر : أبني لبينى لستم بيد * إلا يد ليست لها عضد ويقول : لو كانت إلا بغير معنى لفسد الكلام ، لان الذي خفض الباء قبل إلا لا يقدر على إعادته بعد إلا لخفض اليد الثانية ، ولكن معنى إلا معنى غير . ويستشهد أيضا بقول الله عز وجل : لو كان فيهما آلهة إلا الله ويقول : إلا بمعنى غير في هذا الموضع . وكان غيره يقول : إنما هذا على كلامين ، يريد : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أرسلنا بالبينات والزبر . قال : وكذلك قول القائل : ما ضرب إلا أخوك زيدا معناه : ما ضرب إلا أخوك ، ثم يبتدئ ضرب زيدا ، وكذلك ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ، ثم يقول : مر بزيد ويستشهد على ذلك ببيت الأعشى : وليس مجيرا إن أتى الحي خائف * ولا قائلا إلا هو المتعيبا